محمد بن زكريا الرازي

171

كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة

عليهما ، فلا أظن أننا سندون يوما حالة المريض ونجاح الطبيب في شفائه . وستظل عظمة الأطباء شيئا يرجع فيه إلى قول المعاصرين . والرازي أدرك شيئا من ذلك حيث يقول : « ونحن معاشر من بلى بالكون في هذا العالم ، نهوى أن لا نعتل بتة ، وأن نخرج منها سريعا إذا اعتللنا بأهون سعى ، وأقصر مدة . وليس ذلك في قوة صناعة الطب ، ولذلك قل ما نرى طبيبا ممدوحا من جميع الأعلّاء » « 1 » . ويقول : والطبيب الحاذق من قل خطؤه « 2 » . وقد يرى بعض الناس أن الرازي لم يأت بجديد في الطب ، إلا نادرا . وليس له إلا فضل الإيضاح والتطبيق الحسن لمبادئ يعرفها أكثر الأطباء . وقد يرون أن ذلك لا يرفع الطبيب إلى مصاف العظماء . والواقع أننا نحن الأطباء نرى العظمة في الطبيب الممارس على نحو يختلف عن آراء غير الأطباء ، ونحن نرى غاية العظمة والنبوغ عند الأطباء الممارسين أن يبرأ على أيديهم مريض استعصى برؤه ، أو أن أيخلص من آلامه عليل متألم . وحسن تطبيق المبادئ الطبّية ليس بالأمر الصغير . والرازي يشبه من أوجه كثيرة طبيبا حديثا ملأ صيته الآفاق وهو « أوزلر » ، الذي لم يكشف جديدا . كلاهما أستاذ وضع أسسا ومبادئ للعلاج يهتدى بها الأطباء أبدا ، وإن اختلفت وسائل العلاج . وكلاهما ممن حسن فهمهم للعلل وتدبيرهم وممن نجحوا نجاحا كبيرا في علاج مرضاهم ، وهو ما لا يفتأ يتحدث به عنهم معاصروهم ، وهذا عندنا غاية العظمة في الطبيب . وعلى هذا الرأي لا يكون عندنا شك نحن الأطباء أن الرازي كان طبيبا عظيما .

--> ( 1 ) ص 118 فيما سبق . ( 2 ) المشرق 54 ، ص 506 .